بقلم الأستاذة: مليكة حفان
تقديم:
بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وتأسيس دولة الإسلام، أصبح المسلمون يتعرضون لتهديدات واستفزازات متعددة من قبل قريش وحلفائها من قبائل العرب ومن اليهود، فقريش ترى في محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، الذين أصبحت لهم قوة عسكرية لا يستهان بها، خطرا يهدد كيانها الاقتصادي وزعامتها الدينية والسياسية، في شبه الجزيرة العربية، ولذلك كثرت مؤامراتها وتهديداتها للقضاء على الإسلام والمسلمين، أما اليهود فقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم، على أن يقيم معهم علاقات سلم وأن يؤمنهم على دينهم وأموالهم منذ استقراره بالمدينة، وكتب لهم بذلك كتابا (معاهدة اليهود) ولكن طبيعة اليهود الغادرة والماكرة، حالت دون ذلك فما كاد الرسول صلى الله عليه وسلم، يستقر بالمدينة وتتم له زعامة المهاجرين والأنصار، حتى خرجوا على الرسول صلى الله عليه وسلم بألوان من الغدر والخيانة.
في ظل هذه الظروف الخطيرة التي كانت تهدد كيان المسلمين في المدينة، أذن الله للمؤمنين بالقتال، وذلك في قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ }(الحج/39 – 40) وجاء هذا الإذن بالقتال ضمن آيات أرشدتهم إلى أن هذا الإذن إنما هو لإزاحة الباطل، وإقامة شعائر الله، قال الله تعالى: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ }(الحج/41).
بعد نزول الإذن بالقتال بدأت المعارك الحربية بين المسلمين وقريش، ومن والاها من قبائل العرب من جهة، وبين المسلمين واليهود من جهة أخرى، وقد اتفق المؤرخون المسلمون على أن يسموا كل معركة وقعت بين المسلمين والمشركين، وحضرها النبي صلى الله عليه وسلم غزوة، وكل مناوشة حصلت بين الفريقين، ولم يحضرها الرسول صلى الله عليه وسلم سرية، وقد بلغ عدد غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم، ستا وعشرين غزوة، وبلغ عدد سراياه، ثمانية وثلاثين سرية، وسنقتصر في دراستنا للمعارك التي خاضها الرسول صلى الله عليه وسلم، على أشهر غزواته وهي إحدى عشرة غزوة، وسنبدأ بمعركة بدر الكبرى.
1 - الغزوات والسرايا قبل معركة بدر:
أ – الهدف من هذه الغزوات والسرايا:
عملا بالإذن الإلهي بالقتال، أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم، يبعث بالسرايا ويقوم بمجموعة من الغزوات رغبة في تحقيق الأهداف التالية: أولا: بسط سيطرة المسلمين على طريق قريش التجارية المؤدية من مكة إلى الشام، بغية إضعاف تجارتها، وضرب قوتها الاقتصادية، لتمتنع عن قتال المسلمين، وعن تعذيب المستضعفين من المؤمنين بمكة، ويصير المؤمنون أحرارا في إبلاغ رسالة الله، في ربوع شبه الجزيرة العربية.
ثانيا: الاستيلاء على قوافل قريش التجارية للظفر بأموالهم، التي هي حق مشروع للمسلمين، فقريش قد أجبرنهم على ترك مدينتهم مكة، وترك دورهم وأراضيهم وأموالهم واستولت عليها، وقد سبقت غزوة بدر، سبع محاولات لاعتراض عير قريش، وكل الذين كانوا يخرجون فيها من المهاجرين فحسب، ولم يرسل فيها أنصاري واحد.
ثالثا: عقد تحالفات مع القبائل المجاورة للطريق التجارية الرابطة بين مكة والشام.
رابعا: إشعار مشركي يثرب ويهودها، وأعراب البادية الضاربين حولها، بأن المسلمين قد تخلصوا من ضعفهم القديم، وأصبحت لهم دولة لها قوتها العسكرية والسياسية.
ب – السرايا والغزوات:
أولا: سرية سيف البحر، في السنة الأولى للهجرة، وكان على رأسها حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه.
ثانيا: سرية رابغ، في السنة الأولى للهجرة، وكان على رأسها عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب رضي الله عنه.
ثالثا: سرية الخرار، في السنة الأولى للهجرة، وكان على رأسها سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.
رابعا: غزوة الأبواء أو ودان، في السنة الثانية للهجرة، وقادها الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه، وهي أول غزوة غزاها الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان حامل اللواء في هذه الغزوة، حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه.
خامسا: غزوة بواط، في السنة الثانية للهجرة، وقادها الرسول صلى الله وسلم عليه بنفسه.
سادسا: غزوة سفوان، في السنة الثانية للهجرة، وقادها الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه وتسمى هذه الغزوة بدر الأولى.
سابعا: غزوة ذي العشيرة في السنة الثانية للهجرة، وقادها الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه.
ثامنا: سرية نخلة في شهر رجب، في السنة الثانية للهجرة، وكان على رأسها عبد الله بن جحش. وقد حاولت هذه السرية اعتراض قافلة لقريش، تحمل زبيبا وأدما، وفيها عمرو بن الحضرمي وعثمان ونوفل بنا عبد الله بن المغيرة، والحكم بن كيسان، مولى بن المغيرة. وقد تواجه الفريقان فقتل المسلمون عمرو بن الحضرمي، وأسروا عبد الله بن المغيرة، والحكم بن كيسان، واستولوا على العير، وقد أنكر الرسول صلى الله عليه وسلم على أصحابه، ما قاموا به من قتل في الشهر الحرام، وأوقف التصرف في العير والأسيرين حتى نزل قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ }(البقرة217) وأطلق الرسول صلى الله عليه وسلم الأسيرين، وأدى دية المقتول إلى أوليائه.
2 – غزوة بدر الكبرى:
أ – سبب الغزوة:
وقعت غزوة بدر الأولى في اليوم السابع عشر من رمضان للسنة الثانية من الهجرة، وسببها أن النبي صلى الله عليه وسلم، ندب أصحابه للتعرض لقافلة لقريش، كان يقودها أبو سفيان بن حرب، عائدة من الشام إلى مكة، مقابل ما تركوا من أموالهم بمكة، ولتوجيه ضربة قاصمة لقوة قريش الاقتصادية والسياسية، وقد كانت هذه القافلة محملة بثروات طائلة لأهل مكة (بضائع مختلفة يحملها ألف بعير، وثروة تقدر بخمسين ألف دينار ذهبي).
لما علم أبو سفيان بعزم المسلمين على الخروج لأخذ العير، أرسل (ضمضم بن عمرو الغفاري) إلى مكة ليخبر قريشا بالخبر، ويستنفرهم للخروج للدفاع عن أموالهم وحمايتها. فخرجت قريش في نحو ألف مقاتل، منهم ستمائة دارع (لابس للدرع) ومائة فارس، وسبعمائة بعير، ومعهم القيان يضربن بالدفوف، ويغنين بهجاء المسلمين. وقد استطاع أبو سفيان أن يفلت بالقافلة من الوقوع في قبضة جيش المسلمين، فهمَّ جيش قريش بالرجوع إلى مكة، إلا أن أبا جهل الذي كان يقود الجيش رفض العودة، وأصر على المضي إلى بدر، حيث كان للعرب هناك سوق يجتمعون فيه كل عام ثلاثة أيام، وكان مما قال: "والله لا نرجع حتى نقدم بدرا، فنقيم بها، ونطعم من حضرنا من العرب، وتخافنا العرب بعد ذلك" (ابن القيم الجوزية، زاد المعاد في هدي خير العباد: 3/174).
أما المسلمون فكان عددهم ثلاث مائة وأربعة عشر رجلا أكثرهم من الأنصار، وكان معهم سبعون جملا يتعاقب على الواحد منها اثنان أو ثلاثة من الصحابة، وفرسان وهو عتاد متواضع قياسا لما يمتلكه جيش قريش. فالمسلمون لم يكونوا يتوقعون لقاء مسلحا مع قريش، لذلك لم يأخذوا أهبتهم الكاملة من السلاح والتأهب، "غير أن الله تبارك وتعالى، أراد لعباده غنيمة ونصرا أعظم، وعملا أشرف، وأكثر انسجاما، مع الغاية التي ينبغي أن يستهدفها المسلم في حياته كلها، فأبعد عنهم العير التي كانوا يطلبونها، وأبدلهم بها نفيرا لم يكونوا يتوقعونه) (فقه السيرة، رمضان سعيد البوطي، ص: 170).
وفي هذا التدبير الإلهي نزل قوله تعالى:{وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ }(الأنفال/7).
بعد أن بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم خبر نجاة القافلة، وخبر مسير قريش إلى قتال المسلمين، استشار أصحابه في خوض المعركة، فأشار عليه المهاجرون بخوضها، وكان منهم المقداد بن عمرو الذي قال "يا رسول الله، امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقات






















